ابن بطوطة

106

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الفقراء بذلك ، قلت لهم : قد حصلت لي بركة الشيخ بأن كساني لباسه وأنا لا أدخل بهذه الفرجية على سلطان كافر ولا مسلم ، وانصرفت عن الشيخ . فاتّفق لي بعد مدة طويلة أني دخلت بلاد الصين وانتهيت إلى مدينة الخنسا فافترق مني أصحابي لكثرة الزحام ، وكانت الفرجية عليّ فبينا أنا في بعض الطرق إذا بالوزير في موكب عظيم فوقع بصره علي فاستدعاني ، وأخذ بيدي ، وسألني عن مقدمي ولم يفارقني حتى وصلت إلى دار السلطان معه ، فأردت الانفصال ، فمنعني وأدخلني على السلطان فسألني عن سلاطين الإسلام فأجبته ونظر إلى الفرجية فاستحسنها ، فقال لي الوزير : جرّدها ! فلم يمكنني خلاف ذلك ، فأخذها وأمر لي بعشر خلع وفرس مجهز ونفقة ، وتغيّر خاطري لذلك ، ثم تذكرت قول الشيخ : إنه يأخذها سلطان كافر ، فطال عجبي من ذلك ! ولما كان في السنة الأخرى دخلت دار ملك الصين بخان بالق ، فقصدت زاوية الشيخ برهان الدين الصاغرجى فوجدته يقرأ والفرجية عليه بعينها فعجبت من ذلك وقلّبتها بيدي ، فقال لي : لم تقلّبها وأنت تعرفها ؟ فقلت له : نعم هي التي أخذها لي سلطان الخنسا ، فقال لي : هذه الفرجية صنعها أخي جلال الدين برسمي ، وكتب إليّ أن الفرجية تصلك على يد فلان ، ثم أخرج ليّ الكتاب ، فقرأته وعجبت من صدق يقين الشيخ ، وأعلمته بأول الحكاية ، فقال لي : أخي جلال الدّين أكبر من ذلك كلّه ، هو يتصرف في الكون ، وقد انتقل إلى رحمة الله ، ثم قال لي : بلغني أنه كان يصلي الصبح كلّ يوم بمكة وأنه يحج كلّ عام لأنه كان يغيب عن الناس يومي عرفة والعيد فلا يعرف أين ذهب . ولما وادعت الشيخ جلال الدين سافرت إلى مدينة حبنق « 313 » ، وضبط اسمها بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وسكون النّون وقاف ، وهي أكبر المدن وأحسنها يشقها النّهر الذي ينزل من جبال كامرو ، ويسمى النهر الأزرق « 314 » ويسافر فيه إلى بنجالة وبلاد اللّكنوتي ، وعليه النواعير والبساتين والقرى يمنة ويسرة - كما هي على نيل مصر وأهلها كفار تحت الذمة يؤخذ منهم نصف ما يزدرعون ووظائف سوى ذلك . وسافرنا في هذا النهر خمسة عشر يوما بين القرى والبساتين فكأنما نمشي في سوق من الأسواق وفيه من المراكب ما لا يحصى كثرة ، وفي كلّ مركب منها طبل فإذا التقى

--> ( 313 ) حبنق هي التي تسمى اليوم هافانك تيلا ( Havang Tila ) وقد خربت ، تقع على بعد عشرة أميال تقريبا جنوب ( Habiganj ) في سيلهت ( Sylhet ) . ( 314 ) النهر الأزرق يظهر أنه نهر مغنا : ( Maghna ) الذي يمرّ على مقربة من داكّا . . . انظر الخريطة هذا وكلمة النول الآتية من المفردات الحضارية التي استعملها ابن بطوطة بمعنى ( حق المرور ) Nolis .